التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نموذج من همة السلف العالية في طلب العلم


مقطع للشيخ صالح آل الشيخ
(من تفريغ الأخ سالم الجزائري)


 

الإمام أحمد لما انتهى أمره إلى القوة والوقوف بالسنة ونصرة السنة، لما جاءت فتنة خلق القرآن مُنع من التحديث قال له ولي الأمر: لا تحدث. فالتزم، وصار يذهب إلى المسجد ويرجع، ولا يلقي العلم.
قال بقي بن مخلد صاحب أكبر مسند من مسانيد الحديث، لا يوجد، أكبر مسند من مسانيد الحديث مسند بقي بن مخلد. بقِيّ بن مخلد أحد علماء الأندلس، رحل من الأندلس إلى بغداد وذهب يسأل - ما يدري عن فتنة خلق القرآن ولا منع الإمام أحمد - أين أحمد بن حنبل؟ أين أبو عبدالله؟ أخبروه بأنه لا يُحدّث.
قال: فطرقت عليه الباب في بيته وطلبته فأتاني، وقلت له: أنا طالب علم أتيت من المغرب. 

قال له الإمام أحمد: من أفريقية؟ 
قال: لا، أبعد. إذا أردنا أفريقية قطعنا لها البحر، أنا من الأندلس. 
قال: مرحبًا بك، ما تريد؟ 
قال: والله ما أتيت إلا لآخذ العلم عنك. 
فقال له الإمام أحمد: لعلك سمعت ما عليّ من أني لا أحدّث. 
قال: ولكني أريد الحديث وحدي، أو أعطني من العلم. 
فقال له الإمام أحمد: بشرط. 
قال: اشترط ما بدا لك. 
قال: أن لا تجلس في حلقة من حلقات العلم والحديث.
حتى لا يُعرف أنه يجلس في حلق العلم، ويأتي الإمام أحمد معناه الإمام أحمد أصبح يعلم في بيته.
فقال: لك ما اشترطت. 

قال: إذاً ائتني كل يوم على هيئة سائل (وطالب العلم سائل يسأل العلم)، ثم اطرق الباب، فإذا خرجتُ أعطيتك خبزًا ومع الخبز حديثًا أو أحاديث.
فأخذ سنين يأتيه. قال: فتلفعت بعمامة - وصفها - ولبست ملابس السؤّال الفقراء، وأخذت كل يوم آتي وأطرق الباب على هيئة سائل وأقول لهم: الأجر رعاكم الله. قال بقي: وكانت صفة السؤّال في بغداد: الأجر رعاكم الله؛ يعني ابتغوا الأجر أو أطلبوا الأجر أو نحو ذلك.
يقول: فيأتي الإمام أحمد ويعطيني بعض الخبز ومعه حديث أو أحاديث. قال: فأخذت كثيرًا. 

قال: فلما مات الخليفة وجاء الذي بعده وكان صاحب سنة - يعني به: المتوكل - صار الإمام أحمد يدرس في المسجد، قال: فكان يدنيني ويخصني من بين الطلاب ويقول: هذا يصدق عليه أنه طالب علم. 
كيف يصبر هذه السنين الطويلة في هيئة سائل، وكل يوم يأتي.. فيها هضم للنفس. يأتي بهذه الصفة لأجل أن يأخذ من الإمام أحمد علم حديث أو حديثين كل يوم ! قال: هذا يصدق عليه أنه طالب علم.
هذه همة ليست بالسهلة، وازدراء للنفس ليس بالسهل، ورحلة من الأندلس إلى بغداد لأجل هذا الأمر، ليس بالسهل، وكلها تعطيك عظم هذه الهمة.
يقول: حتى مرضت ففقدني أبو عبدالله، فسأل عني، فقالوا: إنه مريض. فزارني في الخان - كان يسكن في الخان؛ يعني فندق - وأنا كنت مستقليًا سمعت جلبة ثم دخل عليّ الداخل من أهل الخان وقال: أنت تعرف أبو عبدالله؟ أنت من أصحاب أبي عبدالله؟!

فقلت: نعم. 
فقال: لِم لمَ تخبرنا من أول ما نزلت؟ أتى أبو عبدالله، أحمد أتى لزيارتك.
ففتح الباب، فدخل أحمد فقال له: فقدناك فزرناك، زادك الله ثوابًا، أو قال: أرج الثواب من الله، يا بقيّ إن أيام الصحة لا سقم فيها، وإن أيام السقم لا صحة فيها، أعلاك الله إلى العافية، ومسح عنك بيمينه الشافية.
قال: والطلاب حوله يكتبون ما يقول. أعلاك الله إلى العافية ومسح عنك بيمينه الشافية.
الوقفة هنا في القصة، أخذتم عبرتها ودرسها؛ لكن خذ كلمة الإمام أحمد: إن أيام الصحة لا سقم فيها، وإن أيام السقم لا صحة فيها.
يريد بذلك أنّ طالب العلم همّته تكون في أيام الصحة، فلما كانت أيام الصحة التي لا سقم فيها فعندك المجال والهمة قوية لطلب العلم. لأنه ربما أن يعرض لك عارض
؛ وهذا مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وخذ من صحتك لمرضك».


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

موقف أهل السنة والجماعة مما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم

صور قديمة ونادرة من طرابلس الشام (شمال لبنان)

من روائع الشعر العربي الفصيح