التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فياضانات نهر "أبو علي" (طرابلس - لبنان)



من المعروف ان مدينة طرابلس لم تعرف مؤرخاً خاصاً بها، وخصوصاً في الفترة السابقة للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، فهناك إنعدام للتواريخ الخاصة بمدينة طرابلس والأحوال التي طرأت عليها يوماً بيوم على غرار «تاريخ حوادث الشام» لميخائيل الدمشقي أو اليوميات على غرار «عجائب الآثار» للجبرتي. وأخبار فيضانات النهر في طرابلس ورد ذكر بعضها بشكل غير مباشر كفيضان 745هـ في معرض ترجمة الصفدي لابن البارنباري، صاحب ديوان الإنشاء وكاتب السر في طرابلس، أو من خلال وقفية تجديد جامع الدباغين في طرابلس أو «سيل عظيم» كان عاماً في بلاد الشام ومنها طرابلس. وهذه هي أهم الفياضانات التي أتت على ذكرها المصادر التاريخية:

1- فيضان 745هـ (1344م):
أتى على ذكره الصفدي في ترجمة البارنباري:
«وفي سنة 745 كان في الشتا نايماً هو وأولاده فجاء سيل عظيم، وكان للسيل ضجة من الناس وضوضاء، فقام من فراشه ليعلم ما الخبر، وعاد فلم يجد لا داراً ولا سكاناً، وراح البيت وولداه، وأحدهما موقع، والآخر ناظر الجيش، وجميع ما في البيت إلى البحر. وانتبه الناس لهذه المصيبة العظمى، وركب النايب وتوجهوا إلى البحر إلى ان طلع الضوء، وقذف الموج ولديه وهما ميتان فأخذوهما، وعمر لهما تربة عظيمة هناك، وصدعت واقعته قلوب الناس في الشام ومصر، وأما هو فإنه داخله هلع عظيم واختلط عقله وبعث إلى مصر يسأل الإعفاء والإقالة».


2- طوفان 810هـ (1407م):
«ذكر ابن حجر انه في شعبان سنة 810 هـ، حدث السيل العظيم بطرابلس حتى قيل أن أهلها ما رأوا مثله، فهدم أبنية كثيرة وهلك بسببه خلق كثير».


3- طوفان 909هـ (1503م):
«وفي هذه السنة جاء سيل عظيم ومطر عم الأقطار(....) وكذلك نهر طرابلس أخرب المساكن والحوانيت وغير ذلك».


4- طوفان 1020هـ (1612م):
«وفي سنة أسيب (أي 1612م) جاء سيل عظيم حتى ان نهر طرابلوس أخذ بيوت وطواحين وجسوره وأهلك خلقاً كثير».
وعلى جدار جامع التوبة، كتابة تاريخية تفيد بتجديد «هذا الجامع الشريف لوجه الله الكريم بعد هدم جداره ومنبره ومحرابه وسبيل مائه من الفيضة الكبرى في سادس عشر ذي القعدة سنة عشرين بعد الألف» «وهذه الفيضة نسفت كثيراً من الأبنية».


5- طوفان 1162هـ (1749م):
«فاض نهر طرابلس في ثلاثة أيام خلت من شهر ربيع الأول وهو شباط الرومي سنة 1162هـ، وكان فيضانه مع الفجر صبيحة نهار الجمعة. وقتل خلقاً كثيرًا، وخرب بيوتاً كثيرة وعلا فوق الجسرين مقدار اثني عشر ذراعاً حتى غطى جميع الطواحين ما بقي باين منهم أثر، ولو ما أدرك العالم لطف من الباري جل وعلا وإلا كان أهلكهم بفيضه».


6- طوفان 1258هـ (1842م):
ورد ذكره في نص كتبه أحد شهود العيان بالعامية ونشرت نصه مجلة «أوراق لبنانية»:
«يوم الاثنين في 6 رمضان سنة 58 الواقع في 28 أيلول 842 الساعة تسعة من النهار فاض النهر أبو علي، وعلى (علا) الما (ء) فوق الجسر ووصل لباب الحديد وعدم كامل السويقة والمسلخ وسوق الحراج والملاحة، ووصل لمحل حارة النصارة، بزخم قوي جداً، وعلى (علا) في الأسواق فوق الدكاكين حتى لا عاد يظهر في محلات السقف. وبعض محلات على النهر هدمها بأصحابها وكامل ما بها. كذلك جاب (جلب) أبقار وخيل وحمير وجمال كثيرة ودلب وصور كل شجرة قد حارة كبيرة. وغرق رجال ونسا وأولاد بالأسواق وماتوا. وحكم (تقريباً) ثلث البلد خربت. راح كامل ما هو موجود بمحلات المتقاربة للما (ء) من أثاث ونحاس ولحف ومونة وسيغة (مصاغ) ودراهم شي يبلغ ثلاثة آلاف كيس وهذا من داخل البلد.. (؟؟). والذي خارج البلد من بساتين وجنينات وطواحين شيء ينوف عن ألفي كيس وأخذ من... نسا ورجال وأولاد. ومات حكم ماية حرمة (إمرأة) من الرعب حيث هذا الأمر غريب بأيامنا. وعلى (علا) فوق الجسر الما (ء) لقامه. وكل ذلك حكم نصف ساعة (...)».


7- طوفان 1375هـ (1955م):
في «تاريخ آثار ومساجد طرابلس» كتب د. عمر تدمري ما يلي: «في نهاية سنة 1955 أصيبت طرابلس بكارثة الفيضان في مساء 17 كانون الأول ذهب فيه عشرات القتلى من الرجال والنساء والأطفال. فقد انهمر المطر بشدة وقت المغرب وتضخمت كمية المياه المتدفقة في النهر بفعل الأمطار الغزيرة، وجرفت مياه النهر معها وهي في إنحدارها من الجبال الأشجار والأحجار، وارتطمت الأشجار ذات الجذوع الضخمة بالقناطر القديمة المعروفة بـ «قناطر البرنس» فاحتقنت المياه عندها بعد ان سدت المنافذ بالأشجار والأوساخ، وإزاء ضغط المياه الشديد تحطمت بعض القناطر وتدفقت المياه بقوة لتجرف ما يصادفها من أشجار وبيوت خشبية حيث ارتطمت بجسر السويقة القديم، واحتقنت المياه عنده من جديد وعلا منسوب المياه فطافت على البيوت الواقعة على ضفتي النهر، ودخلت تكية المولوية وغمرت الطواحين المنتشرة على الجانبين ودخلت حرم الجامع البرطاسي والمحلات القريبة منه، والبيمارستان القائم أمامه، ودخلت المدرسة البتركية وقناطر (باكية) غانم، حتى ارتفعت إلى محلة باب الحديد وهدمت قسماً من جسر السويقة، كما هدمت الجسر الجديد (اللحامة) ودخلت المياه جامع التوبة وغمرته، كما غمرت مسجد الدباغين والمدارس القريبة من المسلخ (...) وجميع البيوت والمحلات الواقعة على جانبي النهر وسارت المياه المتدفقة بين دروب المدينة القديمة وأسواقها حتى وصلت حارة النصارى ومحلة الزاهرية، وجرفت معها كثيراً من جثث القتلى وأثاث البيوت من اسرة وفرش وادوات وأوانٍ، وحملت الحاجيات من المحلات، ودب الذعر في نفوس الأهالي، وارتفع الصراخ ونداءات الإستغاثة من الذين حاصرتهم ورفعتهم إلى اسقف بيوتهم ومحلاتهم، وارتطمت الجثث بالأشجار التي بقيت منتصبة بظاهر طرابلس شمالي النهر قريباً من البحر، وعلقت بها ومنها ما تقاذفته أمواج البحر من الأثاث، وتحولت مياه البحر إلى اللون الأحمر الداكن من الطين الذي جرفه النهر، وضربت أمواج البحر الجثث إلى جون عكار ومنها ما وصل إلى طرطوس».


المصدر: "مجتمع النهر في طرابلس" دراسة للصحافي والباحث طلال منجد (بتصرف) 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من روائع الشعر العربي الفصيح

صور قديمة ونادرة من طرابلس الشام (شمال لبنان)

أهل القرآن هم العالمون به